التعليم بعد الصراعات… هل يمكن لمجتمع جريح أن ينهض عبر المدرسة؟

Spread the love

حين تنتهي الحروب، لا تنتهي جراح المجتمعات بسهولة. الجدران يمكن إعادة بنائها، لكن ترميم القلوب والعقول يحتاج إلى وقت أطول بكثير. في البوسنة، كان الجيران الذين تحولت صداقاتهم إلى عداوة بسبب الحرب بحاجة إلى شيء يوحدهم من جديد. وفي جنوب أفريقيا، بعد عقود من الفصل العنصري، كان السود والبيض بحاجة إلى مصالحة لا تقتصر على السياسة، بل تمتد إلى الحياة اليومية. فما الذي لعب الدور الأكبر في تحقيق هذه المصالحة؟ التعليم.
نحن في سورية نواجه وضعاً مشابهاً. الحرب تركت أجيالاً بدون تعليم، وخلّفت مجتمعاً ممزقاً يحتاج إلى جسور جديدة. وهذه الجسور تبدأ من المدرسة، لكن ليست المدرسة التي تكتفي بتلقين المعلومات، بل المدرسة التي تُعلّم كيف نعيش معاً، وكيف نتصالح مع الماضي، وكيف نبني مستقبلاً مشتركاً.
جنوب أفريقيا: كيف صارت المدارس ساحات للمصالحة؟
جنوب أفريقيا، التي كانت لعقود محكومة بنظام الفصل العنصري، وجدت نفسها في بداية التسعينيات أمام معضلة كبرى: كيف يمكن لجيل تربى على الكراهية أن يتعلم التسامح؟ كان التعليم هو الإجابة. بعد نهاية الفصل العنصري، تم إدخال إصلاحات جذرية على المناهج الدراسية لإزالة أي محتوى يدعم العنصرية، والتركيز على قيم التعايش والمساواة.
أحد أهم برامج المصالحة كان برنامج “التاريخ المشترك”، الذي دُرّس في المدارس بجميع أنحاء البلاد. لم يكن الهدف من هذا البرنامج التستر على الماضي، بل مواجهة الحقائق المرة وتعليم الطلاب كيف يتعاملون معها. كما تم تدريب المعلمين على كيفية إدارة النقاشات الحساسة في الفصول الدراسية، وكيفية مساعدة الطلاب على تجاوز الصراعات التي ورثوها عن آبائهم.
أحد أبرز الأمثلة على نجاح التعليم في تحقيق المصالحة كان عندما قاد نيلسون مانديلا، الذي قضى 27 عاماً في السجن بسبب مقاومته للفصل العنصري، جهوده في بناء جنوب أفريقيا الجديدة. كان يؤمن بأن التعليم هو السلاح الأقوى لتغيير المجتمعات. وكما قال في إحدى خطبه الشهيرة: “التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم”.
البوسنة والهرسك: التعليم كجسر بين الأعداء السابقين
البوسنة والهرسك، بعد الحرب التي دامت بين عامي 1992 و1995، كانت دولة ممزقة إلى حد بعيد. الدمار لم يكن فقط في البنية التحتية، بل أيضاً في النسيج الاجتماعي. الجيران الذين عاشوا معاً لسنوات وجدوا أنفسهم على طرفي نقيض بسبب الحرب.
لكن التعليم كان أداة فعالة في إعادة بناء المجتمع. في البداية، كانت المدارس تعاني من انقسامات عرقية حادة، حيث كان الطلاب يُفصلون بناءً على خلفياتهم الدينية أو العرقية. لكن مع مرور الوقت، بدأت الحكومة بتطبيق برامج تهدف إلى تعزيز التعايش. تم تعديل المناهج لتُركز على القيم الإنسانية المشتركة، وتم إدخال مواد دراسية تُعلم الطلاب كيف يحلون الخلافات بشكل سلمي.
أحد البرامج الناجحة في البوسنة كان “مدارس من أجل السلام”، الذي هدف إلى جمع الطلاب من مختلف الخلفيات في نفس الفصول الدراسية. وكان التركيز على تعليمهم كيف يعيشون معاً، بدلاً من التركيز على ما يُفرقهم.
اليوم، تُعتبر البوسنة مثالاً على كيف يمكن للتعليم أن يكون أداة للتعافي من آثار الحرب. على الرغم من أن التحديات لا تزال قائمة، إلا أن الأجيال الجديدة التي تلقت تعليماً قائماً على التفاهم والسلام تُظهر استعداداً أكبر للتعايش.
دروس لسورية: التعليم هو الجسر نحو المستقبل
في سورية، لدينا فرصة تاريخية لإعادة بناء المجتمع عبر التعليم. لكن التعليم الذي نحتاجه يجب أن يتجاوز الأساليب التقليدية. نحن بحاجة إلى مناهج تُعلم التسامح، التعايش، وحل النزاعات سلمياً. مناهج تجعل الطلاب يفهمون أن الاختلاف ليس تهديداً، بل مصدر غنى.
نحتاج أيضاً إلى تدريب المعلمين ليكونوا قادرين على التعامل مع طلاب عاشوا تجارب صعبة. يجب أن يكون المعلمون قادرين على فتح النقاشات الحساسة، ومساعدة الطلاب على التعبير عن مشاعرهم، وتجاوز آثار الحرب.
التجارب الدولية تُخبرنا أن إعادة بناء التعليم يمكن أن تُسهم بشكل كبير في تحقيق الاستقرار والمصالحة. لكن الأهم هو أن ندرك أن التعليم لا ينحصر في جدران المدرسة. إنه رحلة مستمرة نحو بناء العقول، وتضميد الجراح، وفتح آفاق جديدة للمستقبل.
فلنبدأ من التعليم، لأنه المفتاح الذي يمكن أن يُعيد بناء وطننا من الداخل. كما قال مانديلا: “إذا تحدثت إلى إنسان بلغة يفهمها، ستصل إلى عقله. وإذا تحدثت إليه بلغته الأم، ستصل إلى قلبه”. فلنتحدث بلغة السلام والتعليم، لأنها اللغة التي ستُعيد لنا سورية التي نحلم بها.

Spread the love

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من Fadi Alshalabi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading