العقل السوري: من التلقين إلى الإبداع… هل حان وقت التحول؟

Spread the love

سورية بلد غني بالعقول النيّرة والمواهب المبدعة، لكن النظام التعليمي التقليدي القائم على التلقين والحفظ عزل هذه الإمكانات ومنعها من تحقيق أقصى قدراتها. في عالم يُعيد تشكيل نفسه بسرعة مذهلة بفعل الابتكار والذكاء الاصطناعي، كيف يمكن لنظام يعتمد على الحفظ الأعمى أن يبني مجتمعاً حديثاً قادراً على المنافسة؟
لإعادة بناء سورية، يجب أن نبدأ من التعليم، ولكن ليس التعليم التقليدي الذي يحصر دور الطالب في التلقي والاسترجاع، بل تعليم يُشجع الطلاب على طرح الأسئلة، البحث عن الإجابات، وتحفيز التفكير الإبداعي. نحن بحاجة إلى نظام تعليمي يُمكّن السوريين من تعلم كيفية التعلم، لأن مواجهة التحديات المتسارعة تتطلب مهارات جديدة وحلولاً مبتكرة، وليس إعادة إنتاج لمعرفة الماضي فقط.
التجارب الدولية تُظهر لنا الطريق. فنلندا، التي كان نظامها التعليمي يعتمد على التلقين، تحولت إلى واحدة من أكثر الدول نجاحاً تعليمياً في العالم. هذا التحول تحقق عبر التركيز على التفكير النقدي، التعاون، والابتكار. كوريا الجنوبية أيضاً، بعد معاناتها من الفقر والتخلف في أعقاب الحرب الكورية، وضعت التعليم في قلب استراتيجيتها التنموية. ركزت على تطوير مهارات الطلاب الإبداعية والتكنولوجية، مما جعلها مركزاً عالمياً للابتكار في التكنولوجيا.
لكن كيف يمكن أن يحدث هذا التحول في سورية؟
الخطوة الأولى تبدأ بغرس ثقافة التعلّم المستمر. في عالم تُهيمن عليه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لم يعد التعليم مقصوراً على المدرسة أو الجامعة، بل أصبح عملية تستمر مدى الحياة. علينا أن نُعلم أبناءنا كيفية استخدام الأدوات الحديثة والمنصات الرقمية لتطوير مهاراتهم باستمرار.
وهنا يأتي دور الحاجة الملحّة لإنشاء منصة تعليمية سورية متطورة. منصة كهذه ستكون شريكاً للمؤسسات التعليمية، تدعمها بالمناهج المبتكرة، وتُقدم برامج تدريبية للمعلمين تُركز على استخدام الأساليب الحديثة في التعليم، مثل التعليم التفاعلي والتعلم الذاتي. هذه المنصة يمكن أن تُوفر للطلاب محتوى تعليمي يُركز على التفكير النقدي، الإبداع، والمهارات التكنولوجية، مع ربط هذا التعليم باحتياجات سوق العمل.
منصة تعليمية سورية لا تُعيد اختراع العجلة، بل تتعلم من تجارب دول أخرى. يمكننا الاستفادة من تقنيات التعليم المفتوح، مثل تلك التي قدمتها كورسيرا أو إدكس، ولكن مع تكييف المحتوى ليناسب الاحتياجات الفريدة للمجتمع السوري. إضافةً إلى ذلك، يجب أن تشمل هذه المنصة أدوات ذكاء اصطناعي تُقدم تجربة تعلم مخصصة لكل طالب، مما يجعل العملية التعليمية أكثر كفاءة وفعالية.
التغيير لا يبدأ فقط من المؤسسات، بل من العقول. عندما نُعلم أطفالنا وشبابنا كيف يُفكرون، ويبحثون، ويُبدعون، فإننا نضع الأسس لبناء مجتمع قوي وقادر على مواجهة تحديات المستقبل. سورية بحاجة إلى نظام تعليمي جديد يُخرجها من قيود التلقين إلى فضاءات الإبداع. منصة تعليمية وطنية ليست مجرد أداة، بل رؤية لإعادة بناء العقول التي ستُعيد بناء الوطن.
فلنبدأ من هنا. فلنبدأ من العقل الذي يتعلم كيف يتعلم، لأن هذا هو العقل الذي يُغير مصير الأوطان.

Spread the love

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من Fadi Alshalabi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading