لطالما ارتبط مفهوم “الأثر التراكمي” في وعينا الجمعي بالأفكار الإيجابية: الادخار المنتظم، ممارسة الرياضة، بناء العادات، تطوير المهارات. تُبنى هذه الفكرة على أن الأفعال الصغيرة، حين تُكرَّر بانتظام، تُنتج تأثيرًا ضخمًا مع مرور الزمن، وهي الفكرة نفسها التي يقوم عليها ما يُعرف بـ”التراكم الأسي”؛ حيث لا يتضاعف الأثر فحسب، بل تزداد سرعته وفاعليته كلما مر الوقت. وبهذه الطريقة، لا يبدو مستغربًا أن يتحول قرار بسيط مثل قراءة خمس صفحات يوميًا إلى عادة ثقافية، أو أن يصبح المشي اليومي نقطة تحول في الحالة الصحية على المدى البعيد.
ومن أشهر التوضيحات البصرية لقوة هذا النمط من التراكم، القصة المتداولة عن مخترع لعبة الشطرنج. حين عرضها على الملك وأعجب بها، سأله الأخير عن المكافأة التي يطلبها، فطلب شيئًا يبدو تافهًا: أن توضع حبة أرز واحدة على الخانة الأولى من رقعة الشطرنج، ثم يُضاعف العدد في كل خانة تليها حتى تصل إلى الخانة 64. الملك استهزأ بالطلب، لكنه اكتشف لاحقًا أن الكمية المطلوبة تعادل وزنًا أكثر من جميع محاصيل الأرز التي يمكن أن تُنتج على وجه الأرض عبر قرون. لم يكن السر في الحبة الأولى، بل في فعل التكرار الصامت، الذي يُنتج، مع الزمن، أثرًا لم يكن ممكنًا تصوره في بدايته.
لكن هذه القدرة التي نحتفي بها حين تكون في صالحنا، تصبح سلاحًا خفيًا حين تتجه ضدنا. فالتراكم، سواء كان بسيطًا أو أسيًا، لا يحمل نوايا أخلاقية. هو قانون حيادي يعمل وفق ما يُغذّى به. وكل ما نُهمل فعله، وكل ما نتجاهله، لا يتبخر في الهواء، بل يتراكم، وينتج أثرًا معاكسًا بهدوء شديد لا يلفت الانتباه حتى يتجسد في نتيجة يصعب التراجع عنها.
الخطورة في التراكم الأسي السلبي أنه لا يُشعرنا بوجوده في المدى القريب. لا أحد يستشعر أثر تأجيل موعد أو إهمال تمرين أو تفويت فرصة واحدة. لكن أثر هذا التأجيل، حين يصبح عادة، يخلق منحنى تراكميًا خفيًا يغيّر البنية العميقة للسلوك، ويؤسس لمستوى جديد من التهاون الداخلي، لا يدركه صاحبه إلا حين تتغير ملامح حياته بشكل جوهري دون أن يملك تفسيرًا مباشرًا لذلك.
والأهم من ذلك، أن غياب الفعل لا يعني توقف الأثر. بل يعني أن الأثر يعمل باتجاه معاكس. ولو أردنا العودة إلى مثال رقعة الشطرنج، فإن قرار عدم وضع الحبة الأولى، أو التوقف عن التكرار في خانة مبكرة، لا يمنع التراكم فحسب، بل يحرمك من الحصاد كله. وإذا كانت الحبة الأولى تافهة في حجمها، فإن غيابها كارثي في أثره. وهكذا، حين نُهمل فعلًا صغيرًا، لا نخسر أثره المباشر فقط، بل نخسر كل ما كان يمكن أن يتراكم بعده. وهذا هو جوهر الأثر التراكمي السلبي: أنه لا يصنع الضرر من الفعل، بل من اللافعل المتكرر، من القصور الهادئ، من الانسحاب الصامت.
في واقع الأمر، لا نصل إلى الفشل بسبب قرار خاطئ واحد، بل عبر مئات التفاصيل الصغيرة التي سمحنا لها أن تتكرر دون مقاومة. وحين يمر الزمن، ويتسارع التراكم، يصبح من الصعب التمييز بين ما كان ممكنًا تغييره، وما أصبح جزءًا من الواقع. لذلك، فإن غياب الفعل لا يعني السكون، بل يعني أن هناك أثرًا يُصنع، وخطًا يُرسم، واتجاهًا يُحدَّد، حتى وإن بدا ظاهريًا أننا ما زلنا في نقطة البداية.
ما يجب الالتفات إليه هنا هو أن الأثر التراكمي السلبي لا يُنتج فقط نتائج عملية سيئة، بل يخلق حالة نفسية من التكيف مع التقصير، ومن إعادة تعريف المقبول والمبرَّر، مما يجعل تصحيح المسار لاحقًا أكثر صعوبة، لا بسبب الظروف، بل بسبب القبول الداخلي الهادئ بانحدار المعايير. وهكذا، نجد أنفسنا بعد سنوات نبحث عن تغييرات جذرية، بينما جوهر المشكلة لم يكن غياب الحلول، بل وجود أثر تراكمي سلبي كنّا نساهم في بنائه يومًا بعد يوم دون أن نشعر.
من هنا، يصبح التعامل مع التراكم مسألة وعي واستباق. ليس المطلوب من الإنسان أن يُحدث قفزات ضخمة كل يوم، بل أن ينتبه لما يتراكم، سواء بفعله أو بإهماله، وأن يدرك أن “ما لا يفعله” يحمل وزنه الكامل مثل ما يفعله، وربما أكثر. فحين يترك الأمور تتراكم دون إدارة، يكون قد اختار – دون وعي – أن يبني انحداره بنفس الأداة التي كان يمكن أن يبني بها نجاحه.