الهاجس الصامت لدى المعلمين في زمن الذكاء الاصطناعي: قراءة في لحظة قلق تربوي جماعي

Spread the love

ثمّة شعور لا يُقال، لكنه حاضر بقوة في أوساط المعلّمين والمدرّسين والأكاديميين هذه الأيام. شعور قد لا يظهر في التصريحات ولا في الاجتماعات الرسمية… لكنه يتسرّب في الحوارات الجانبية، وفي القرارات المؤجلة، وفي التردد الدائم تجاه كل جديد. إنه الهاجس الصامت: ذاك القلق الهادئ من التحوّلات التي يجلبها الذكاء الاصطناعي، والتي باتت تُعيد رسم المشهد التربوي دون إذنٍ منا.

نحن لا نتحدث هنا عن خوف مباشر من “الاستبدال” فحسب، بل عن حالة أعمق: حالة من الغموض حول المهارات المطلوبة، وحول حدود الدور، وحول موقع المعلم في مستقبل لم تتّضح ملامحه بعد.

أحاول هنا قراءة هذا الهاجس: أين يتجلى؟ وما الذي يصنعه؟ وكيف يمكن تحويله من قلق خام إلى وعي مهني ناضج.

أولًا: تحوّل صامت… لكن واسع

الذكاء الاصطناعي لا “يهدّد” التعليم بشكل مباشر… لكنه “يُغيّر قواعده”. ما كان يعتبر مهارة أساسية بالأمس، أصبح وظيفة أوتوماتيكية اليوم.

  • أدوات تخطيط وتصميم دروس تُنجز في دقائق.
  • مصحّحات فورية للاختبارات والمقالات.
  • منصات توليد محتوى مخصص حسب مستوى الطالب.
  • واجهات تفاعلية تتابع التقدم وتحلل الأداء.

المعلم لم يُستبعد بعد… لكنه لم يعد وحده في المشهد. ومع تسارع التبني المؤسسي لهذه الأدوات، بات كثير من المعلمين يشعرون بتآكل صامت في أدوارهم، أو على الأقل، بانزياح تدريجي نحو “هوامش” جديدة.

ثانيًا: طبقات القلق التربوي

هذا القلق المتنامي ليس حالة واحدة، بل طبقات متراكبة:

قلق معرفي

“مالذي يجب أن أتعلمه؟ ماهي المهارات الفعلية المطلوبة؟ وهل كل هذه الأدوات فعلاً مهمة؟”

قلق مهني

“هل سيفقد من لا يمتلك الكفاءة التقنية مكانه؟ هل سيتم استبدالي؟ هل أنا مهدد… حتى لو كنت معلمًا جيدًا؟”

قلق وجودي

“هل دوري لم يعد تربوياً؟ هل سأتحوّل إلى مشغّل أدوات؟ هل سأفقد هويتي كمعلّم؟”

هذه الأسئلة لا تُقال دائمًا… لكنها نشعر بها. تُترجم أحيانًا بانسحاب هادئ من التعلّم، أو برفض داخلي للتجريب، أو بالتعلّق بأدوات مألوفة فقط، دون رغبة حقيقية بالتطوير.

ثالثًا: الأدوات بلا إطار… تُربك أكثر مما تُفيد

المشكلة ليست في كثرة الأدوات، بل في غياب الطريقة. حين تُفرض الأداة دون أن تكون جزءًا من رؤية، تتحوّل إلى عبء، أو إلى زينة رقمية لا تصنع فرقًا. ولهذا، فالحديث عن الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يبدأ من “ما الأداة؟” بل من “كيف نختار؟ ولماذا؟ وفي أي سياق؟”

التكامل الحقيقي لا يأتي من المعرفة التقنية فقط، بل من التأطير التربوي الواعي.

رابعًا: ما يحتاجه المعلم الآن

لسنا بحاجة إلى ورش سريعة تشرح كيف نستخدم “منصة جديدة”… بل إلى برامج ناضجة تعيد تعريف علاقتنا بالأدوات.

  • نحتاج إلى تفكير نقدي تربوي يسبق القرار التقني.
  • نحتاج إلى مساحات حوار آمنة، نشارك فيها القلق… قبل أن نُشارك الرابط.
  • نحتاج إلى منهجية مرنة، تُمكّننا من التبنّي الانتقائي بدل الانجرار العام.

المعلم ليس مهدّدًا… لكنه مطالب بإعادة بناء دوره، لا الانسحاب منه. أن يتحوّل من ناقل للمعرفة إلى منسّق للمعنى، من منفّذ إلى مُصمّم، ومن تابع للتقنية… إلى من يوجّهها حيث يخدم طلابه.

من الهاجس إلى الوعي المهني

الهاجس الصامت ليس ضعفًا، بل علامة وعي. وما دمنا نشعر به، فلدينا فرصة أن نحوله إلى سؤال مهني، لا إلى انسحاب داخلي. ربما لم نعد كما كنّا، لكننا نملك أن نُصبح ما لم نكنه من قبل: معلمًا أكثر تصميمًا، أوسع أفقًا، وأعمق أثرًا… في زمن لا يتوقف.


Spread the love

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من Fadi Alshalabi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading