دائرة الارتياح… هل هي حقاً كذلك؟

غالباً ما تتم نصيحتنا أنّه إذا أردنا أن نتقدم في حياتنا ونحقق الإنجازات ونصنع فرقاً لنا ولمن حولنا فلا بد لنا من الخروج من دائرة الراحة أو الارتياح (Comfort Zone) أي تغيير فعل مايُشعِرنا بالراحة. كما يتم التأكيد على أن تحقيق التقدم والتطور والانجاز على المستوى الشخصي والمهني مرهون بالخروج من هذه الدائرة التي اقترنت بالسهر والاستيقاظ المتأخر والأكل دون حساب ومشاهدة التلفاز وقضاء الكثير من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي وإلى ماذلك من الأمور.

 

ولكن هنا يبرز تساؤل، أين توجد الراحة في هذه الأشياء وهل فعلاً الشخص الذي يعيش ضمن “دائرة الراحة” مرتاح؟!  والأهم لماذا عندما أريد أن أتطَوّر وأُنجِز يجب أن لا أكون مُرتاحاً؟

 

على الجانب الآخر فإن الأبحاث العلمية تتحدّث عن نسبة دوبامين السعادة الذي يُفرَزُ في الجسم بعد حصّة قصيرة من الرياضة الصباحية، ومن النشاط الزائد الذي يحسه الشخص الذي  يعتني بما يأكل، وعن المستوى والإحساس الرائع الذي يحسّه كل من توقف عن الدخان أو قلل من الوقت المصروف بلا طائل على وسائل التواصل الاجتماعي ومتعة قراءة الكتب. وبعيداً عن قراءة الأبحاث العلمية، كم مرة قابلت  أو قرأتَ عن شخص يستيقظ باكراً، ويأكل طعاماً صحيّاً، ولا يدخن، ويقرأ كثيراً، يُحَدثُّكَ عن كمية الراحة والسعادة والطاقة والإنجاز الذين يُحسُّ بهم.

 

 لذا أود أن أتساءل هُنا لماذا تسمى دائرة الراحة بهذا الاسم مع أنّ الجالس بداخلها لا يفرز في جسده الكثير من هرمونات السعادة، وهو غير مرتاح وغير قادر على الإنجاز ويُحسُّ بالتقصير، ويعاني ما يعانيه حتى على الصعيد الصحي، ولماذا يتم تصوير الخروج منها على أنّه هو الصعب، والذي يجعلك تفقد راحتك.

 

أعتقد أنّها واحدة أخرى من فوضى المصطلحات المستخدمة حوالينا والذي تقودنا في الاتجاهات الخاطئة، وأزعُمُ أن التسمية الصحيحة لما يسمى دائرة الراحة هو في الحقيقة دائرة الكسل، والخروج من دائرة الكسل، هو الذي يؤدي إلى الدخول في حالة الراحة.  فعندما تكون مُرتاحاً تستطيع أن تنجز كحال كل من نراهم ونقرأ عنهم من رواد الأعمال والمؤثرين. هل تعتقد حقاً أنهم بقومون بكل ذلك وهم غيرُ مرتاحين؟  هم جَعلوا من مايفعلوه لتحقيق انجازهم دائرةَ ارتياحهم.

 

للخروج من دائرة الكسل يجبُ أن تدخل دائرةً أودُّ تسميتها دائرة الإنتاجية والفعالية (Creative and active zone) وهي التي تتخلى فيها عن كسلك، وتعيش حياتك ضمنها بطريقة صحية ومُنتجة، وعندئذ فقط ستكون مرتاحاً وسيتحول ماتفعله يومياً لزيادة انتاجيتك وتحسين صحتك إلى دائرة الارتياح الخاصة بك. وأود أن أختم بما قاله عبد الرحمن الكواكبي: “لوعرفتم أن الخوف من التعب تعب،  و أن الإقدام على التعب راحة”.

مقالات أخرى يمكن أن تهمك

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

%d مدونون معجبون بهذه: