استخدام التفكير التصميمي لتعزيز الابتكار في المؤسسات

استخدام التفكير التصميمي لتعزيز الابتكار في المؤسسات

أربعة أسئلة لحلول أكثر إبداعية

Design Thinking for Innovation in Organizations and Companies

 

 

تزداد الحاجة يوماً بعد يوم لدى المؤسسات لإيجاد طرق جديدة ومبتكرة لعملها وذلك لزيادة المنافسة بين المؤسسات والشركات ولسعي كل مؤسسة للحفاظ على سمعتها وبناء ثقة وعلاقة متينة مع عملائها. وللحصول على ذلك تزداد الحاجة للتقرب من العميل أكثر لفهم احتياجاته الحقيقية التي يعبر عنها وتلك التي لايفصح عنها والتي لايمكن معرفتها إلا بفهم عميق لحالته من خلال وضع أنفسنا مكانه بشكل حقيقي كي نحس ونرى كل مايعاني منه ويشكل تحديات له. وهنا يأتي دور منهجية التفكير التصميمي للوصول إلى ذلك ،خصوصاً وأن الفهم العميق للمستخدم (الزبون) ومعرفة مشاعره الحقيقية، تشكل الجوهر الأساسي للتفكير التصميمي.

والتفكير التصميمي لايقتصر فقط على تصميم المنتجات، بل يتعدى ذلك ليدخل في العديد من التفاصيل الأخرى التي تُعنى بكيفية تعامل وتفاعل الأشخاص مع الخدمات أو المنتجات. فعلى سبيل المثال، يُعالج التفكير التصميمي طريقة تصميم غرفة الانتظار في عيادة الطبيب أو قاعة الركاب وبوابة دخول الطائرة في المطار أو طريقة تسجيل الطلاب في الجامعة أو إجراء المسابقات والمنح الجامعية.

يُستخدم التفكير التصميمي  لتسريع الابتكار والنمو في المؤسسات من خلال اتباع خطوات ضمن عملية مُمنهجة للحصول على أفضل الحلول. سَأَستَعرض في هذه المدوّنة الخطوات المتبعة في الأطر المؤسساتية لاستخدام تقنيات التفكير التصميمي في ابتكار الحلول التي تُبقي على التنافسية العالية للمؤسسات التي تطبقها.

بداية تجدر الإشارة إلى أن القدرة على الابتكار ليست بحاجة إلى معجزات أو أنها هبة من الله تُخلق مع الشخص فالابتكار ليس مرهوناً بالمعجزات، وإنما مهارة يمكن تعلمها وتطبيقها على الكثير من الأصعدة. وعلى صعيد المؤسسات فالأمثلة التي لاحصر لها والتي نراها حولنا تتزايد كل يوم تتحدث عن نفسها وتثبت أن الابتكار ليس حصراً على أحد.

من خلال التفكير التصميمي فإنه يتم تحويل التدفق الكبير والمتشابك للمعلومات والمشاهداتوالملاحظات سلسلة منهجية من الأسئلة. أول هذه الأسئلة هو “ماهو؟” (?What is) وهو السؤال الذي يقودنا لاستكشاف الواقع الحالي حيث يبدأ الابتكار الناجح بتقييم دقيق لمايجري في الزمن الحاضر مع البدء بتطوير فهم أفضل للواقع الحالي وهو السمة المميزة للتفكير التصميمي والذي يمثل نهج التصميم القائم على البيانات المكثفة والتركيز على المسخدمين.

عادة مايرغب المدراء أو القادة في استباق الزمن وبدء عملية الابتكار من خلال تبادل الأفكار والخيارات والأفكار الجديدة ويجدون صعوبة في التركيز على فهم عميق للوضع الراهن. ولكن يجب التأكيد هنا على أن إيلاء الاهتمام للحاضر يؤتي أُكُله من خلال طريقتين. الأولى أنه يساعد على توسيع فهمنا وربما على إحداث تغيير كبير في تعريفنا للمشكلة أو الفرصة التي نريد معالجتها. أما الثانية فهي أنه يساعد على كشف الاحتياجات غير المُعلنة وهو أمر أساسي لوضع معايير للتصميم الابتكاري الذي يُولّد حلولاً مميزة. إن سؤال “ماهو؟” يُجنبُنا الاعتماد بشكل كليّ على مخيلتنا  أثناء عملية تطوير الأفكار ويمنحنا رؤية قوية وعميقة لما يريده المستخدمون ويحتاجون إليه بالفعل والذي يقلل بدوره من خطر الفشل لاستخدام فكرة جديدة. إن التركيز على “ماهو؟” يساعدنا على تحديد كيف سيبدو عليه الحل الرائع دون إخبارنا بالحل نفسه.

بعد إنجاز هذه الخطوة نكون جاهزين لطرح السؤال الثاني “ماذا لو؟” (?What if) والبدء في توليد الأفكار واستكشاف الحلول الممكنة. لذلك ينبغي في هذه المرحلة فحص البيانات التي تم جمعها وتحديد الأنماط والرؤى ووضعها في صورة معايير تصميم محددة كجزء من مرحلة “ماهو؟” ثم يتم استخدام تلك المعاير لسؤال “ماذا لو؟” مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يجب أن نبدأ هذا الجزء من العملية بالتركيز على جميع الاحتمالات والابقاء على السؤال التالي حاضراً دوماً: ماذا لو كان كل شيء ممكناً؟

 يُعتبر هذا السؤال أحد أكثر الأسئلة قوةً التي يمكن لأي شخص طرحها ضمن هذا السياق. في كثير من الأحيان يتم الوقوع في فخ البدء بالقيود بدلاً من الاحتمالات. بعد ذلك يصبح المستقبل أشيه بحال الحاضر لأننا نضع القيود الحالية نصب أعيننا. لذلك فبدلاً من الاعتماد كلياً على مخيلاتنا لتوليد الأفكار، يتم استخدام الرؤى والمعايير التي تولّدت أثناء جمع البيانات وطرح سلسلة من الأسئلة المحفزة. تساعد تلك الأسئلة على التفكير خارج الصناديق الخاصة وتوليد أفكار إبداعية عديدة. يمكن تشبيه التفكير في كل من تلك الأفكار الفردية كما لو كانت قطعة مكعبات مفردة مثل مكعبات الليغو. لكننا هنا نأخذ تلك الأفكار الفردية وندمجها معاً على طريقة تعامل الأطفال بالمكعبات بالضبط لاستحضار جميع أنواع الإبداعات الرائعة المختلفة وتُسمى هذه الإبداعات مفاهيم الأعمال (Business Concepts).

بعد أن يصبح لدينا مجموعة كاملة من مفاهيم العمل، يحين وقت الانتقال إلى المرحلة الأولى للاختبار عن طريق طرح السؤال الثالث “مالذي يُبْهِر؟” (?What wows) . في هذه المرحلة يتم التعامل مع جميع مفاهيم الأعمال باعتبارها فرضية. يجب التفكير بشكل منهجي عند تقييم هذه المفاهيم مقابل معايير التصميم التي لدينا. عادة ما يتم توليد مفاهيم كثيرة لذلك يجب اتخاذ بعض القرارات الصعبة في هذه المرحلة.

يعمل الفريق على اختزال مجال المفاهيم لعدد يمكن إدارته من خلال البحث عن أقربها إلى النقطة المنشودة، نقطة الانبهار وهي النقطة التي تتطابق فيها فرصة تقديم قيمة كبيرة للمستخدمين (الزبائن) مع الموارد والقدرات المؤسساتية والقدرة على تقديم العرض الجديد بشكل مستدام. هذه هي منطقة الانبهار.

وحيث أننا نعتبر كل المفاهيم مفيدة ومهمة فيجب أن نُخضعها جميعها لهذا التقييم. إن المفاهيم التي تثير الانبهار هي تلك التي تجتاز الاختبار الأول والتي تكون مرشحة جيدة للتحول إلى تجارب يتم إجراؤها مع مستخدمين فعليين. من أجل ذلك فإننا بحاجة إلى تحويل المفاهيم إلى شيء يمكن للمستخدم المحتمل أن يتعامل معه وهو اصطلح على تسميته النموذج الأولي.

عند بناء النموذج الأولي الذي يتم اختياره من الحلول المطروحة تأتي مرحلة التعلم من العالم الحقيقي عن طريق طرح السؤال الرابع “مالذي ينجح؟” (?What works) من خلال تجربة نموذج أولي منخفض الدقة مع مستخدمين فعليين. إذا أعجبهم وقدموا ملاحظات، يتم تحسين النموذج الأولي واختباره مع المزيد من المستخدمين. يستمر هذا النهج مراراً حتى يتولد الشعور بالثقة بشأن قيمة الفكرة الجديدة يبقى الفريق مُستعداً لتوسيع نطاقها كلما تقدّم في مرحلة “مالذي ينجح؟”

من المهم أن نبقي في أذهاننا بعض المبادئ في عملية التعلُّم خلال مرحلة التنفيذ:

  • دورات (cycles) سريعة للعمل وتلقي الملاحظات.

  • تقليص تكلفة إجراء التجارب.

  • الفشل المبكر يقود إلى النجاح على المدى الطويل.

  • اختبار المفاضلات والافتراضات الرئيسية في وقت مبكر.

كانت هذه هي الأسئلة الأربعة التي تساعدنا على بناء الجسور لحلول أكثر إبداعية من خلال تقنيات التفكير التصميمي الذي يُعدّ نهجاً لحل المشكلات عبر التركيز على الإنسان الذي يتم البدء به دائماً.

 

 يؤكد التفكير التصميمي على أهمية الاستكشاف العميق لحياة الناس ومشكلاتهم لخلق قيمة لها قبل إيجاد الحلول. وهذا سبب تسميته التصميم المرتكز على المستخدمين. كما أنه يتبنى منهجيات أبحاث السوق النوعية والتعاطفية ويعتمد ويشجع على  إشراك شرائح مختلفة في الابتكار المشترك. التفكير التصميمي مُوجه بالاحتمالات ويركز على إيجاد خيارات متعددة وتجنب حصر جميع الحلول في قالب واحد.

 وبما أننا نُخمّن احتياجات ورغبات المستخدمين ونسعى وراء الاحتياجات غير المُعلنة، فإنه من المتوقّع أن نكون على خطأ كثيراً. لذا علينا مخالطة العديد من المستخدمين لندعهم يخبرونا بالأفكار الصالحة لهم مما يعني أنه يتوجب علينا إدارة مجموعة من الأفكار الجديدة. تتصف هذه العملية بأنها تكرارية فهي ملتزمة بإجراء دورات من تجارب العالم الحقيقي بدلاً من إجراء التحليلات باستخدام بيانات قديمة. إنها عملية مستمرة لتشكيل واختبار ثم إصلاح أفكارنا حول “مالذي ينجح؟”. يجب أن لانتوقع أن يكون الصواب حليفنا في المرة الأولى. ولكن على الأرجح أننا سنكرر سعينا للوصول إلى النجاح.

 

 

 

* تم الاعتماد في كتابة هذه المدونة على مصادر منهاج التفكير التصميمي في جامعة فيرجينيا الأمريكية.

مقالات أخرى يمكن أن تهمك

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

%d مدونون معجبون بهذه: