كل من يحدثني من الداخل السوري يُكرر العبارة ذاتها:
“أعطني الأمن وخذ مني العمل والإبداع”.
هذا شعور مفهوم تماماً، ولا يمكن لأحد أن يُنكر أن الأمن حاجة مُلحّة وضرورية في أي مجتمع يحاول النهوض من أزماته. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: أي نوع من الأمن نحتاج؟ هل نبحث عن أمنٍ قصير الأمد يأتي من الجدران العالية والسلاح؟ أم عن أمنٍ مستدام يقوم على العقول الواعية والمؤسسات القوية وسيادة القانون؟
التاريخ يُخبرنا أن الأمن الذي يقوم على الخوف والقوة العسكرية وحدها لا يدوم. الأمن الحقيقي يبدأ من تعليم العقول وترسيخ العدالة وإيجاد فرص حقيقية للناس. فحين يشعر المواطن بالانتماء والكرامة، ويُدرك أن حقوقه محفوظة بالقانون، يتحقق الأمن تلقائياً. لكن الأمن الذي نقصده هنا لا يقتصر فقط على الحماية المادية، بل يشمل “أمن العقول” الذي يتحقق عبر التعليم وتشجيع التعلم المستمر. فلا يكفي أن نُعلّم الناس ما يعرفونه اليوم؛ بل يجب أن نزرع فيهم شغف التعلم والقدرة على اكتساب مهارات جديدة وحل المشكلات، لأن المجتمعات التي تتوقف عن التعلم تتوقف عن التقدم.
ولكن، كيف يمكن أن نؤسس لهذا النوع من الأمن المستدام؟ الإجابة ليست في نظريات مثالية أو أفكار بعيدة عن الواقع، بل هي إجابة تستند إلى تجارب حقيقية لدول واجهت أزمات عميقة، لكنها نهضت من خلال الاستثمار في التعليم، وبناء مؤسسات قوية، وتعزيز سيادة القانون.
لنأخذ مثال ماليزيا، التي وقفت في ستينيات القرن الماضي على شفا حرب أهلية بسبب التوترات العرقية والدينية. كان من الممكن أن تتجه الحكومة إلى تعزيز الأمن العسكري، لكنها اختارت طريقاً آخر: الاستثمار في التعليم. أعادت الحكومة تصميم المناهج لتعزز قيم التعايش والتفاهم بين الأعراق المختلفة، وفتحت الفرص التعليمية للجميع بغض النظر عن خلفيتهم العرقية أو الدينية، وركّزت على التعليم التقني والمهني لإعداد الشباب لسوق العمل العالمي. لم يكن الهدف تعليم المناهج فقط، بل كان بناء مجتمع متعلم قادر على التعايش، وقادر على حل مشكلاته بنفسه.
كما قال رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد: “أعظم ثروة تمتلكها ماليزيا ليست في مواردها الطبيعية، بل في عقول شعبها”. هذا الاستثمار في العقول، لا في السلاح، جعل ماليزيا واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في آسيا. التعليم لم يكن مجرد وسيلة للمعرفة، بل كان جسر عبور نحو الأمن والتقدم.
أما سنغافورة، فهي مثال واضح على أن الأمن الحقيقي يبدأ من العقول، لا من السلاح. عندما انفصلت سنغافورة عن ماليزيا عام 1965، كانت دولة فقيرة بلا موارد طبيعية تُذكر. كان بإمكان رئيس الوزراء لي كوان يو أن يُعزز الجيش لضمان أمن البلاد، لكنه رأى أن الطريق الأفضل لتحقيق الأمن هو الاستثمار في التعليم. لكنه لم يتوقف عند فكرة التعليم التقليدي، بل ركّز على تعليم الناس كيف يتعلمون بأنفسهم، وكيف يُصبحون قادرين على مواجهة التحديات المستجدة.
قال لي كوان يو: “إذا أردنا بناء دولة مستقرة وآمنة، علينا أن نُعلّم شعبنا كيف يفكر، وكيف يعمل، وكيف يتعايش”. هذا النهج ركز على مهارات التفكير النقدي والابتكار وحل المشكلات، وليس فقط على حشو العقول بالمعلومات. سنغافورة اليوم هي واحدة من أكثر الدول ازدهاراً واستقراراً في العالم، وكان التعليم هو البوابة لتحقيق ذلك.
أما اليابان، فهي مثال مختلف لكنه يُخبرنا الدرس ذاته. بعد هزيمتها المدمرة في الحرب العالمية الثانية، كان بإمكان اليابان أن تُعيد بناء قوتها العسكرية كخطوة أولى. لكن قادتها أدركوا أن النهضة تبدأ من المدرسة، لا من الثكنات. ركزت اليابان على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وغرس قيم الانضباط والعمل الجماعي واحترام القانون. لكن الأمر الأهم كان في تعليم الناس كيف يتعلمون بشكل مستمر وكيف يُطوّرون أنفسهم باستمرار.
في اليابان، لم يكن التعليم مجرد نقل للمعرفة، بل كان وسيلة لتشكيل هوية المجتمع، وخلق ثقافة ترى في التعلم المستمر جزءاً من حياة كل مواطن. هذه الفلسفة جعلت
اليابان تتحول من دولة مدمرة إلى واحدة من أقوى الاقتصادات في العالم. وكما قال نيلسون مانديلا: “التعليم هو السلاح الأقوى الذي يمكن أن نستخدمه لتغيير العالم”.
ما الذي يُمكن أن نتعلمه في سورية؟
اليوم، يقول البعض إننا بحاجة إلى الأمن أولاً. هم محقون، لكن التاريخ يُخبرنا أن الأمن الحقيقي يبدأ من تعليم العقول. لكن التعليم
الذي نحتاجه في سورية ليس مجرد تعليم المناهج والكتب، بل تعليم مهارات التفكير النقدي، والبحث المستقل، والتعلم المستمر. نحن بحاجة إلى جيل يعرف كيف يتعلم ويُطوّر نفسه باستمرار، لأن التحديات التي تواجهنا لن تُحل بمعلومات الأمس، بل بحلول جديدة تُناسب واقعنا المتغير.
كلما غاب التعليم، ازدادت الفوضى. كلما غابت العدالة، زادت الانقسامات. وكلما غابت الفرص، زادت مشاعر الظلم والإقصاء. سورية بحاجة إلى أمن العقول قبل أمن الجدران. سورية بحاجة إلى تعليم يُعلّم الناس كيف يتعلمون بأنفسهم، وكيف يُصبحون قادرين على بناء مستقبل أفضل.
ما نزرعه اليوم في عقول أبنائنا سيُثمر غداً في شكل مجتمع آمن ومستقر. التعليم ليس مرحلة مؤجلة لما بعد الاستقرار، بل هو الأساس لتحقيق الاستقرار نفسه. فلنبدأ من العقول… لأنها المفتاح لكل شيء.